عدلون

النبي يوسف عليه السلام

مقدمة

في هذا البحث نستعرض قصة يوسف بن يعقوب كما وردت في المصادر الموثوقة للديانات الثلاث، الإسلامية من جهة والديانتين المسيحية واليهودية من جهةٍ أخرى مع الإشارة إلى ما يتوافق عليه الجميع وما هو مختلف بين سورة يوسف في القرآن الكريم وما ورد في سفر التكوين من الكتاب المقدس. ولن نقتصر على آراء المراجع الدينية المختلفة بل سنعرج سريعاً على ما يقوله بعض علماء التاريخ حول الموضوع.

سورة يوسف في القرآن

هي السورة الوحيدة في القرآن الكريم التي تتحدث عن موضوعٍ واحد والقصة الوحيدة غير المقتطعة ومكتملة الأجزاء. والقرآن يصفها بأنها من أحسن القصص لأنها تشتمل على كل عناصر السرد والتشويق والعِقَد والحلول. القصة تدور حول النبي يوسف بن يعقوب وما كان من أمره مع إخوته الأحد عشر، تبدأ القصة بحلمٍ رآه يوسف ورواه لأبيه قَالَ إِنِّه رَأَى أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وكذلك الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رآهم سَاجِدِينَ له. أدركَ أبوه ما يرمي إليه يوسف ونصحه بكتمان حلمه عن إخوته كي يحميه من كيدهم. وكان الإخوة يعلمون أن يوسف أحبُ إلى أبيهم وعندهم عتبٌ كبيرٌ على أبيهم في تفضيله يوسف عليهم. وهذا ما دفعهم للتآمر على يوسف واستدراجه بعيداً عن أبيه ليقتلوه حتى يَخْلو لَهمْ وَجْهُ أَبِيهمْ وَليكُونُواْ مِن بَعْدِ يوسف جديرين بالمحبة والتقدير. طلبوا من أبيهم أن يرسله معهم إلى المرعى ليرتع ويلعب وألحوا في طلبهم فاستجاب لهم يعقوبُ على مضض. ولما كان لهم ما أرادوا ألقوه في بئرٍ بدلاً من قتله وانتزعوا قميصه وخضبوه بدمٍ كذبٍ وعادوا إلى أبيهم في المساء يبكون وادعوا أنهم بينما كانوا يتسابقون ابتعدوا عن يوسف فجاء الذئبُ وأكله ثم أظهروا له القميص لتنطلي عليه مكيدتهم. وكانت قد مرّت قافلةٌ بالبئر فتعلق يوسف بدلوهم وخرج فأخذوه معهم إلى مصر وباعوه بثمنٍ بخسٍ لقاء دراهم معدودة لرجلٍ قدمه إلى زوجته مقترحاً تبنيه. ترعرع يوسف في بيت سيده المصري ولما بلغَ أشُده كان قد حصّل علماً واكتسب حكمةً ورشداً. وفي ذات يوم اختلت به صاحبة البيت وراودته عن نفسه فأبى وهرب إلى الباب فتبعته وانتزعت قميصه وفي هذه الأثناء دخل سيده فاشتكته لزوجها وطلبت أن يسجنه لقاء ما فعله. اعترض يوسف وقال إنها هي التي راودته عن نفسه وهنا تدخل شخصٌ من أهلها واقترح معاينة القميص فإن كان قد تمزق من الخلف يعني أنها هي المذنبة وإن كان الفتقُ من الأمام فهو المعتدي. فَلَمَّا رَأَى الزوجُ قَمِيصَ يوسف قدْ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِ زوجته إِنَّ كَيْدَ النساء عَظِيمٌ. وذاع الخبر في المدينة أن امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه وقَدْ شَغَفَهَا حُبًّا، إن هذا عيبٌ وضلالٌ مبين! فأرادت أن ترى النسوةُ بأنفسهن سحره وجماله وما دفعها للهيام بحبه والإختلاء به لعلهن يغفرن لها. فاستضافتهن في بيتها وقدمت لهن فاكهةً وأعطت كل واحدةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أعجبن به كثيراً وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ بسبب انشغالهن بالنظر إليه. وقَالَتْ هذا هو الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَأبى ولهذا سأسجنه وسأذله. فأجابها أن السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيه مِمَّا تدْعُوه إِلَيْهِ . أما زوجها فقد ارتأى وبالرغم من براءة يوسف أن يَسْجُنهُ فترة من الزمن.

في السجن اشتهر يوسف بصدق تفسيره أحلام زملائه المساجين. فاستدعاه الملك ليفسر له حلماً وهو أنه رأى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ. قَالَ يوسف تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ بلا كللٍ وما تحصدونه اخزنوه فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعُ سنينٍ شِدَادٌ فتأكلون ما خزنتم. أعجب الملك بهذا التفسير فانتهز يوسف الفرصة وتوسل إليه لأن يعيد التحقيق في الجرم الذي أودى به في السجن. ولما تأكد الملك من براءته وعلمه وحكمته جعله وزيراً له أميناً عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ. في السنوات العجاف جَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ دون أن يعرفوه واحتال كي يأتوه بِأَخٍ لَّهم بقي مع أبيه فذهبوا إلى أبيهم وأقنعوه ثم عادوا بأخيه ثم اتهمهم بسرقة صواع الملك بعد أن دسه في رحل أخيه كي يبقي أخاه عنده. وَلما علم أبوهم ازداد ألماً فوق الَمِه و أَسَفَه عَلَى يُوسُفَ فابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ حتى عميَ. ولَمَّا عادوا إلى يوسف كشف لهم عن حقيقة نفسه وعاتبهم على ما اقترفوه فأبدوا الندم وقَالُواْ تَاللَّهِ لَقَدْ فضّلك اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ قَالَ لاَ عَلَيْكُمُ سيَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَرتد بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ. وليدْخُلُواْ مِصْرَ آمِنِينَ. وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تفسير الحلم الذي حدثتك عنه.

يوسف في التوراة

كان يوسف يرعى مع اخوته الغنم و هو غلام وكان عينُ أبيه على إخوته ينقل أليه ما يقومون به من الأفعال السيئة. كان أبوه يحبه اكثر من سائر بنيه فصنع له قميصا ملونا. كل هذا أثار الغيرة والغيظ عند جميع اخوته فابغضوه. وازدادوا بغضا له عندما روى لهم حلماً رآه قال إنهم بينما كانوا يحزمون حزما في الحقل فإذا حزمته قامت وانتصبت فاحتاطت حزمهم و سجدت لحزمته. وروى أيضاً حلماً آخر وهو أن الشمس و القمر واحد عشر كوكبا سجدوا له و قص ذلك على ابيه فانتهره ابوه و قال له ما هذا الحلم الذي حلمت هل ناتي انا و امك و اخوتك لنسجد لك على الارض؟

ذات مرة ذهبَ اخوته ليرعوا غنم ابيهم عند شكيم فارسله أبوه اليهم ليتجسس عليهم ويأتيه بأخبارهم فذهب يوسف وراء اخوته فوجدهم في دوثان. فقال أحدهم هذا صاحب الاحلام قادم إلينا تعالوا نقتله و نطرحه في احدى الابار و نقول وحش رديء اكله فنرى إذا كانت ستنفعه احلامه. قال راوبين لا تسفكوا دمه بل اطرحوه في هذه البئر التي في البرية فلما وصل إليهم يوسف خلعوا عنه قميصه الملون الذي كان يزهو به عليهم ورموه في البئر . واذا بقافلة من الجمال للاسمعيليين مقبلة من جلعاد إلى مصر فسحب المديانيون يوسف و اصعدوه من البئر و باعوه للاسمعيليين بعشرين من الفضة وذهبوا به الى مصر ورجع راوبين الى عين المكان فلم يجد يوسف في البئر فمزق ثيابه واخذ إخوته القميص و ذبحوا تيسا من المعزى وغمسوا القميص في الدم واحضروه الى ابيهم و قالوا وجدنا هذا حقق اقميص ابنك هو ام لا؟ فمزق يعقوب ثيابه و ناح على ابنه اياما كثيرة و اما المديانيون فباعوه في مصر لفوطيفار خصي فرعون رئيس الشرط. وكان الرب مع يوسف فكان رجلا ناجحا فوكله سيده المصري على بيته ودفع الى يده كل ما كان له و كان يوسف حسن الصورة و حسن المنظر فعشقته امراة سيده وطلبته أن يضاجهعا فابى فامسكته بثوبه فانسل تاركاً ثوبه في يدها و هرب فنادت اهل بيتها و قالت لهم انظروا ماذا فعل الرجل العبراني دخل علي ليضطجع معي فصرختُ بصوت عظيم فترك ثوبه بجانبي و هرب الى الخارج فحمي غضب زوجها و وضعه في السجن.

فاشتهر بين السجناء بمقدرته على تفسير الأحلام حتى وصل خبره إلى فرعون. و حدث من بعد سنتين من الزمان ان فرعون رأى حلماً سبع بقرات طالعة من النهر حسنة المنظر و سمينة اللحم ارتعت في روضة ثم خرجت سبع بقرات اخرى قبيحة المنظر وهزيلة فاكلت البقرات السبع الحسنة المنظر والسمينة واستيقظ فرعون ثم نام فحلم ثانية سبع سنابل طالعة في ساق واحد سمينة وحسنة و سبع سنابل رقيقة وملفوحة بالريح الشرقية نابتة وراءها فابتلعت السنابل السبع السمينة الممتلئة واستيقظ فرعون منزعجاً فدعا جميع سحرة مصر وجميع حكمائها وقص عليهم حلمه فلم يكن من يفسر له الحلم ثم ارسل ودعا يوسف من السجن فقال يوسف: قد اخبركم اللهُ بما هو صانع، البقرات السبع الحسنة هي سبع سنين و السنابل السبع الحسنة هي سبع سنين هو حلم واحد يكون فيها شبعٌ عظيمٌ في كل مصر. و البقرات السبع الرقيقة القبيحة و السنابل السبع الفارغة الملفوحة تكون سبع سنين جوعا تتلف فيها الأرض و اما عن تكرار الحلم مرتين فلان الله مسرع في أمره فلينظر فرعون رجلا بصيرا و حكيما و يجعله على ارض مصر فيجمع جميع خيرات السنين الجيدة القادمة و يخزنها ليكون ذخيرة لسبع سني الجوع فأعجب كلامه فرعون. فقال ليوسف ليس لي رجلٌ بصيرٌ وحكيمٌ أفضل منك فخلع عليه خاتمه والبسه ثياباً قشيبةً و وضع طوق ذهب في عنقه و اركبه في مركبته الثانية و جعله على كل ارض مصر وخلع عليه اسماً مصرياً صفنات فعنيح وزوجه فتاة ذات حسب ونسب اسمها اسنات.

و اثمرت الارض في سبع سني الشبع بحزم و خزن يوسف قمحا كرمل البحر كثيرا جدا و لما جاع الناسُ في مصر و صرخوا الى فرعون لاجل الخبز قال لهم اذهبوا الى يوسف والذي يقوله لكم افعلوه وباع يوسف للمصريين مؤونتهم وجاءت كل الأمم الى مصر الى يوسف لتشتري قمحاً لان الجوع كان شديدا في كل البلدان.

سمع يعقوب انه يوجد قمح في مصر فقال لبنيه انزلوا الى هناك واشتروا لنا حاجتنا. فنزل عشرة من اخوة يوسف إلى مصر و اما بنيامين اخو يوسف فلم يرسله يعقوب مع اخوته كي لا تصيبه اذية. و كان يوسف هو نفسه البائع لكل الشعوب فاتى اخوة يوسف و سجدوا له بوجوههم الى الارض فعرفهم وتنكر لهم و تكلم معهم بجفاء واتهمهم أنهم جواسيس وحقق معهم فقالوا أنهم إخوة جاءوا ليشتروا طعاماً بأمرٍ من أبيهم وأن لهم أخاً صغيراً ما زال عند والده وآخر مفقود. فحكم عليهم ألا يخرجوا من مصر الا بمجيء اخيهم الصغير ليتأكد من كلامهم و حبسهم ثلاثة ايام على ذمة التحقيق ثم أطلقهم إلا شمعون استبقاه في مصر على أن يذهب إخوته إلى أبيهم بالطعام ثم يعودون مع الأخ الصغير حتى يثبتوا أنهم ليسوا جواسيس.

و قال بعضهم لبعض بالعبرية في غياب المترجم حقا اننا مذنبون وهذا دم أخينا ينتقم منا و لم يعلموا ان يوسف فاهم ما يقولون فتحول عنهم و بكى ثم رجع اليهم و امر يوسف ان تملا اوعيتهم قمحا و ترد فضة كل واحد الى عدله و ان يعطوا زادا للطريق. فجاءوا الى يعقوب ابيهم في ارض كنعان و اخبروه بكل ما اصابهم فقال لهم يعقوب اعدمتموني الاولاد يوسف مفقود و شمعون مفقود و بنيامين تاخذونه كيف أحتمل كل هذا ؟ وقبل على مضض ذهاب بنيامين معهم وحملهم بهدايا قيّمة إلى يوسف وأعاد المال الذي لم يقبضه منهم يوسف في المرة الأولى. فلما رأى يوسف أن بنيامين معهم دعاهم إلى مأدبة في بيته وسألهم عن ابيهم الشيخ فقالوا عبدك ابونا سالم هو حي بعد و خروا له سجّدا ونظر إلى بنيامين اخيه ابن امه ثم قام إلى مخدعه فبكى وغسل وجهه ثم عاد إليهم وكان الخدم قد هيأوا المأدبة وفصلوا بين طعامه وطعامهم لأن المصريين لا يأكلون مع العبرانيين ويعتبرونهم أنجاساً وكان يوزع عليهم الطعام بيده وسط دهشتهم وخص أخيه من أمه بنيامين بخمسة أضعاف ما أعطاهم جميعاً ثم ملأ لهم أقصى ما يمكن أن يحملوه معهم دون أن يقبض منهم شيئاً وأمر رجاله أن يدسوا الطاس في عدل بنيامين ثم اتهمهم بالسرقة ليستبقي أخاه عنده فقالوا له إن روح أبينا متعلقة به وإذا لم يعد معنا فسيموت أبونا حزناً فانفجر يوسف بالبكاء وسمعه المصريون وحاشية الفرعون وقال لاخوته تقدموا الي فتقدموا فقال انا يوسف اخوكم الذي بعتموه الى مصر لا تتاسفوا و لا تغتاظوا لانكم بعتموني الله هو الذي ارسلني ليجعل لكم بقية في الارض و لينجيكم . اسرعوا الى ابي و قولوا له قد جعلني الله سيدا لكل مصر فلينزل الي لا هنا ليكون قريبا مني هو و بنوه و بنو بنيه و غنمه و بقره و كل ما له . وعرف فرعون بالأمر واستحسن ما فعله يوسف وأمر بإكرام إخوته وأعطاهم عربات يجرها الخيل بدل حميرهم التي يركبونها وثياباً ومالاً وزاداً وقافلة كبيرة محملة بالخيرات. وذهبوا الى يعقوب ابيهم واخبروه عن يوسف وسلطته ومجده في مصر فارتحل اسرائيل و كل ما كان له و اتى الى بئر سبع و ذبح ذبائح لاله ابيه اسحق فكلم الله اسرائيل في رؤى الليل و قال انا الله اله ابيك لا تخف من النزول الى مصر لاني اجعلك امة عظيمة هناك فذهب الى مصر يعقوب و كل نسله معه وعددت لنا القصة اسماء بني اسرائيل الذين جاءوا الى مصر وشد يوسف مركبته و صعد لاستقبال اسرائيل ابيه الى جاسان و لما ظهر له وقع على عنقه و بكى طويلاً.

ثم ادخل يوسف اباه على فرعون و بارك يعقوب فرعون فاسكن يوسف اباه واخوته واعطاهم ملكا في ارض مصر في افضل الارض في ارض رعمسيس كما امر فرعون. و كفل يوسف اباه و اخوته و كل بيت ابيه بطعام على حسب الاولاد.

ثم حدثت مجاعة في مصر و ارض كنعان فجمع يوسف كل الفضة الموجودة في ارض مصر و في ارض كنعان بالقمح الذي باعه فلما فرغت الفضة من أيدي الناس جاءوا إلى يوسف طالبين خبزا كي لا يموتوا فقال يوسف هاتوا مواشيكم فاعطيكم بمواشيكم ان لم يكن فضة. ولما تمت تلك السنة اتوا اليه في السنة الثانية و قالوا له لا نخفي عن سيدي انه اذ قد فرغت الفضة و مواشي البهائم و لم يبق الا اجسادنا و ارضنا فاشترى يوسف كل ارض مصر لفرعون فصارت الارض لفرعون.

و سكن اسرائيل في مصر في ارض جاسان و تملك بنوه فيها و اثمروا و كثروا جدا و عاش يعقوب في مصر سبع عشرة سنة ولما دنا أجله قال ليوسف اصنع معي معروفا و امانة لا تدفني في مصر وطلب منه أن يحلف فحلف له فسجد اسرائيل على راس السرير. وعندما مات إسرائيل أمر يوسف الأطباء بتحنيطه ثم استأذن فرعون ورافق موكب الجنازة إلى أرض كنعان حيث تم الدفن في مغارة المكفيلة. ثم مات يوسف وهو ابن مئة وعشر سنين. فحنطوه ووضع في تابوت في مصر.

بين الروايتين

هناك تطابق ملحوظ في الخطوط العامة للقصتين وفي كثيرٍ من التفاصيل وهناك بعض الإختلافات مثل حزم القمح في حلم يوسف الثاني غير واردة في القرآن أو قضية الجهة التي قُدّ منها قميص يوسف في مرافعته بقضية الاغتصاب الكاذب التي وردت في القرآن دون التوراة. ثم قضية اتهام يوسف لإخوته بالتجسس ضد مصر بهدف استبقاء أخيه معه الواردة فقط في التوراة. والنسوة اللواتي قطعن أيديهن في القرآن دون التوراة. في التوراة تفاصيل كثيرة أهملها القرآن مثل أسماء الأماكن: شكيم، ودوثان وجاسان وغيرها، كذلك أسماء الشخصيات الثانوية في القصة فوطيفار وشمعون وبنيامين واسم يوسف الفرعوني صفنات فعنيح وزوجته أسنات. وهناك القميص الملون الذي يظهر ثلاث مرات في القصة القرآنية ومرتين في التوراة مرة تنشب فيه مخالب الذئب ومرة تمزقه أظافر امرأة العزيز وفي الثالثة يرسله يوسف إلى أبيه بمفعولٍ سحريّ يعيد له بصره وهذه غير واردة في التوراة. ثم قضية رئيس الشرط التي جعلته الترجمة العربية للتوراة مخصياً بينما النسخة الإنكليزية تبقيه على رجولته، والغريب أن يكون قائد الشرطة مخصياً وهذا كان متزوجاً والخصيان لا يتزوجون. ومما يريب في هذه القصة هو عدد الأحلام التي تقوم عليها القصة. مما يجعلنا نتساءل عن مدى مصداقية قصة تقوم أهم أحداثها على الأحلام! أحلام يوسف وأحلام السجناء وأحلام الملك ورؤيا يعقوب مع الله وهناك مصادر أخرى يهودية وإسلامية تضيف أحلاماً أخرى وتفاسير عجيبة لبعض الحوادث مثل التفسير الكبير لسفر التكوين "بريشيت رَبّا" ومدراش تنحوما، وتفسير يَلقوت شِمعوني والمدراش الكبير "هامدراش هاجادول" وكتاب الاستقامة "سِفِر هاياشار"؛ وهذه الكتب احتوت على شرح دقيق لتفاصيل القصة مثل القيمة التي بيع بها يوسف، وكيف أنّ يوسف تعايش مع العقارب والثعابين في الجب. وكيف أنّ يوسف أوشك على الوقوع في الزلل لولا أن رأى وجه أبيه يعنفه فخرج المني من أطراف أصابعه. كما أنّ يوسف تعرّض لاختبار عسير، هو التحدث بسبعين لساناً، من قبل مستشاري "فرعون" قبل أن يعيِّنه مستشاراً له.

وهناك أحداث مركبة تقلل أيضاً من مصداقية القصة مثل قافلة الجمال التي أنقذت يوسف. أحداث القصة تدور في زمن لم يدخل فيه الجمل بعد إلى الشرق الأوسط فليس هناك أي دليل أركيولوجي على وجوده قبل الألف الثاني قبل الميلاد. وليس في رسوم الفراعنة أي رسم للجمل علماً أنهم رسموا كل حيواناتهم وحيوانات الأمم المحيطة بهم. القرآن اكتفى بالإشارة إلى السيارة دون أن يحدد ما فيها.

وهناك أحداث تطرح أسئلة محيرة حول استعمال المال العام للدولة في الشؤون الخاصة للمسؤولين مثل امتناع يوسف عن قبض ثمن القمح من إخوته في كل مرة واقتطاع أراضٍ للدولة لتقيم عليها عشيرته بينما دفع المصريون أموالهم ومواشيهم وأراضيهم في سبيل شراء لقمة العيش منه. ولو حاكمنا يوسف بشرائع الدول المتقدمة في عصرنا هذا لنال أقسى العقوبات بتهمة الإحتكار. فهو كان يشتري المحاصيل من المزارعين بالثمن العادي في أيام الإزدهار ليبيعها لهؤلاء الناس أنفسهم في الأيام العصيبة بما يملكون من أموال ثم بمواشيهم ثم بأرضهم وفي النهاية باعوا أنفسهم عبيداً لأجل ألا يموتوا من الجوع وهكذا يكون الجشع التجاري قد وصل إلى أقصاه. وكان الأجدر أن يطلب منهم أن يتحسبوا للسنوات العجاف ويقدم لهم التسهيلات الضرائبية والتشجيع على تخزين مؤونتهم بأنفسهم لتكون الأزمة أقل إيلاماً ولتضلع الدولة بدورها في حفظ المجتمع بدل أن تكون مؤسسة إحتكارية لاستغلال الناس واستعبادهم. وهنا نتساءل ما هي الرسالة التي أراد نبي الله يوسف إيصالها للبشر عبر سيرته هذه؟ أضف إلى ذلك اتهام إخوته ظلماً بالسرقة والتجسس. القرآن أسقط الفصل التجاري المشبوه من القصة ولا ندري إذا كان هذا الإسقاط عن قصد لأن هناك تفاصيل أخرى أُسقطت وهي ضرورية تجعلنا نلجأ إلى التوراة لمعرفة بعض خيوطها مثل طلبه من إخوته بأن يأتوه بأخيهم المتبقي مع أبيه والسبب في ذلك هو حيلة الإتهام بالتجسس غير الواردة في القرآن.

الغرض من القصة

الغرض القرآني من هذه القصة هو إيماني بحت. يريد الوحيُ أن يضربَ مثلاً ويبيّن للمؤمنين كيف أن الله يرعى أوليائه الصالحين، يبتليهم ثم يحفظهم من السقوط في المعصية وينتقم لهم من الذين كذبوهم ومن المجرمين الذين كادوا لهم وينقلهم من أسفل السافلين في قاعِ بئرٍ في الصحراء إلى أسمى المراتب في دولةِ مصر القوية طالما أنهم يذكرون ربهم في كل محنة ولا يعصون أمره (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ. لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ). ولهذا جاء النص القرآني بلا أسماء علم منفصلاً عن جغرافية القصة وعن تاريخها أيضاً. وعلى سبيل المثال لم يرد في النص ذكر لفرعون ولو مرة واحدة كان يقول عنه الملك! ( وفي هذا شيء من الصواب لأن في الفترة التي يفترض أن عاش فيها يوسف لم يكن يلقب ملوك مصر بالفراعنة بعد) ولم يذكر فوطفار بل قال عنه العزيز ولم يذكر بنيامين وقال عنه أخو يوسف .. إلى آخر لائحة شخصيات القصة التي لا تذكر بالإسم إلا يوسف وأباه يعقوب.

أما الغرض التوراتي فهو سرد قصة نشوء قبائل بني إسرائيل من جدٍ مشترك هو يعقوب أو إسرائيل. في المكان المذكور بكل تفاصيله الجغرافية ( شكيم ودوثان وجلعاد وجاسان ومصريم أي مصر ومكفله) التي استطاع كمال الصليبي التعرف عليها في أرض السراة وحوض وادي بيشة في الجزيرة العربية وهي أسماء أمكنة وقرى ما زالت قائمة ومتجاورة وتعربت على الشكل التالي: (الكشمة والدثنة والجعدية والغثان والمصرمة والمقفلة) . وتسلسل لنا القصة أسماء البطون والأفخاذ من أسباط بني إسرائيل الإثني عشر. ويعتقد أن هؤلاء هم قبائل متفرقة ليسوا جميعهم بالضرورة عبرانيين جمعتهم هذه القصة برابط الدم على أنهم من ذرية رجلٍ واحد هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وهؤلاء الآباء الثلاثة شخصيات توراتية ما زلنا ننتظر من التاريخ أن يأتينا بأثر مادي عن وجودهم.

قصتان في واحدة

في قصة يوسف التوراتية إضراباتٌ كثيرة. وعلى سبيل المثال: ما أن تقترب قافلة الإسماعيليين من البئر وإخوة يوسف ينتظرون على مقربة منه حتى يحضر المديانيون من حيث لا ندري فيسحبون يوسف من البئر ويبيعونه للإسماعيليين. رئيس الشرط فوطيفار اشترى يوسف في مصر من المديانيين حسب الآية (تكوين 36:38) ومن الإسماعيليين حسب الآية التي تليها (تكوين 1:39). وورد وفي آيةٍ دخول يوسف إلى السجن سجيناً وفي أخرى سجاناً! ويعقوب له اسمان يعقوب وإسرائيل وهما في الحقيقة مختلفان حسب كمال الصليبي. وقد استرعى هذا الإضطراب انتباه طبيبٍ فرنسي في القرن التاسع عشر فلفت الأنظار إلى الأمر وأقبل الدارسون على متابعة البحث والتنقيب في ضوء هذه الملاحظة وعثروا على نتائج قيّمة وهي أن هذه القصة مؤلفة من قصتين متباينتين اختلطت كل واحدة بالأخرى دون مراعاة للإنسجام العام بينهما فشاع التكرار والتناقض في بعض الأجزاء.

يوسف التاريخي

يستخلص كمال الصليبي من قصة يوسف ملامح لشخصية يمكن أن تكون قد عاشت في المنطقة الجغرافية التي حددها لنا تطابقاً مع اسماء الأماكن الواردة في النص. فيقول إن يوسف هو الشاب العبراني من أرض تهامة، وقع في العبودية، وبيع في سوق الرقيق في مدينة مصرايم أي المصرمة التي كانت قاعدة المستعمرة المصرية بوادي بيشة، لكنه تمكن بمقدرته الفذة أن يترقى في خدمة ملك "مصرايم" أي حاكمها حتى أصبح الرجل الثاني وصاحب النفوذ الأكبر فيها. كان يوسف في مصرايم حليق الذقن مثل المصريين القدماء على عكس العبرانيين الذين كانوا يطلقون لحاهم. كان يحمل اسماً مصرياً صحيحاً من حيث اللغة وزوجته أسنات وهو إسم علم مؤنث مصري صحيحٌ أيضاً ولما توفي يوسف لم يكفّن ويدفن في الأرض على عادة العبرانيين بل في تابوت مثل المصريين وكل هذه التفاصيل الدقيقة تدل على أن شخصية يوسف يمكن أن تكون حقيقية. ولا يستبعد أن يكون العبرانيون الذين كانوا رعاة أغنام في تهامة عسير، قد نزحوا من هناك في وقتٍ كانت فيه مجاعة إلى سراة بلقرن الخصبة المطلة على وادي بيشة، عندما كانت هذه المنطقة تابعة لمصرايم، أي للمستعمرة المصرية التي كان مركزها بالمصرمة، بمنطقة خميس مشيط. وكذلك لا يستبعد أن يكون هذا النزوح قد حصل في وقتٍ كان فيه يوسف بن يعقوب العبراني يتولى تدبير شؤون مصرايم، فوجد الوافدون العبريون في شخصه خير من يؤمّن لهم الرعاية والحماية. والواقع هو أن أرض تهامة معرّضة للمجاعة أكثر بكثير من أرض السراة وما يليها من وادي بيشة. وذلك ليس فقط بسبب الجفاف، بل أيضاً بسبب الجراد الذي يتناسل في أوديتها العميقة فيخرج من هذه الأودية في أيام الجفاف ويأكل الأخضر واليابس. أما أرض السراة وحوض وادي بيشة فهي أرض الحنطة في بلاد عسير. ولا بد من أن سكان تهامة كانوا يأتون إليها لشراء القمح في أعوام الخير فكيف إذاً في أعوام المجاعة.

يوسف الأسطوري

قبل الأديان الإبراهيمية كانت تسود في العالم القديم عبادة مظاهر الطبيعة والخصوبة والنماء. والأديان القائمة اليوم أخذت كثيراً من طقوس وعبادات الشعوب البائدة ولو رجعنا إلى التفسير اللغوي نجد أن أسماء الأنبياء الأوائل مشتقة من ألفاظ ذات دلائل واضحة متعلقة بالطبيعة والخصب. مثلاً إبراهيم هو "أبو رهم" والرهم هو المطر الخفيف الذي يسقي المرتفعات دون التسبب بالسيول. وإسحاق هو "يضحك" إله الآبار وبالعربية نقول ضحك البئر أي فاض. ونحن عندما نضحك، كأن شيئاً يفيض من أعماقنا مثلما يفيض ماء البر. ويعقوب من "العقب" أي النسل وهو إله النسل والإنجاب. ويوسف هو إسم فعل على وزن المضارع من الجذر "وسف" أي سَمُنَ يعني زاد في الوزن والحجم وهذا من علامات النجاح. قد يكون هو إله النجاح! في سيرة يوسف قواسمُ مشترك واضحة مع كثير من آلهة الخصب: قتله ذئبٌ في البرية مثلما قتل الخنزير أدونيس وألقوه في البئر مثلما نزل أدونيس إلى العالم السفلي وبكى أبوه يعقوب عليه كثيراً مثلما بكت عشتروت ثم عاد إلى الحياة وظهر في مصرايم ليتولى تخصيب الأرض وتنظيم الزراعة وإنقاذ الناس من الجدب والمجاعة مثلما يفعل أدونيس كل عام عندما يعود من العالم السفلي يحي الأرض ويعلن بدء الربيع.

خلاصة

في البحثِ عن يوسف تتشعبُ الأفكار والتقاطعات حوله عند الأديان السماوية وتذهب بنا إلى ماضٍ سحيق وحضاراتٍ بعيدة في الزمان والمكان. إقتصرنا على الشخصية القرآنية ليوسف والشخصية التوراتية ولمحنا إلى معطيات أسطورية تقارنه بآلهة الخصب عند الفنيقيين وغيرهم، ليس من السهل التوقف عند هذا الحد فيوسف هو إساف عند العرب الجاهليين وثيق الصلة بالإله شيفا عند الهنود. وهناك من يجد تشابهاً بالإسمين بين "يسوع" و"يوسف" ويقارن بين قميص يوسف المخضب بالدم والقميص القرمزي الذي ألبسه الجنود الرومان ليسوع ليلة القبض عليه والأسباط الإثني عشر عند يوسف والتلامذة الإثني عشر عند يسوع. والموت ثم القيامة وكل هذه صفات يتقاسمها آلهة المجتمعات الفلاحية التي تقدس الطبيعة والحياة. للحديث شجون كما تقول العرب وكان يجب أن نتوقف عند حقيقة أن الموضوع غني وما زال هناك الكثير مما يستحق البحث والعناء.

المصادر

  1. القرآن الكريم طبعة المدينة نسخة الملك فهد.
  2. التوراة (الكتاب المقدس- العهد القديم ) عن موقع مار تقلا.
  3. خفايا التوراة وأسرار شعب إسرائيل. كمال الصليبي. دار الساقي بيروت.
  4. اليهودية بين الأسطورة والحقيقة. عصام الدين حفني ناصف. دار المروج بيروت.
  5. موسوعة الفلكلور والأساطير العربية. شوقي عبد الحكيم. دار العودة
  6. أساطير الأولين. د. إبراهيم علامة. موقع عدلون الأرض والإنسان adloun.fr .
  7. Le dromadaire dans l'Ancien Orient. H. Epstein Revue d'histoire des sciences et de leurs applications Année 1954 Volume 7 Numéro 7-3 pp. 247-268